تجارة الأحجار بين العلم والأسطورة بقلم ( وائل زيان )

لم تكن الأحجار الكريمة يومًا مجرد مادة صلبة تُستخرج من باطن الأرض.
منذ فجر الحضارات، لم تُحمل الأحجار على الأصابع والتيجان لجمالها فقط، بل لما قيل عنها.
الإنسان لا يكتفي بالمادة.
هو يبحث دائمًا عن المعنى.
ومن هنا تبدأ الحكاية.
: بين البلورة والقصة

جيولوجيًا، الحجر كيان واضح:
تركيب كيميائي محدد، نظام بلوري، كثافة، معامل انكسار، درجة صلادة.
هذه حقائق لا تتغير بتغير الرأي.
لكن في الأسواق، لا تُباع المعادلات.
تُباع الروايات.
يُقال إن هذا الحجر يجلب القوة،
وذاك يجذب الحكمة،
وثالث يحمي من الخطر.
ومع تكرار السرد، تتحول الفكرة إلى قناعة،
والقناعة إلى طلب،
والطلب إلى سعر.
وهنا يتداخل العلم مع الأسطورة.
: كيف تتحول الرواية إلى قيمة؟

كل سلعة في العالم تحتاج إلى قصة،
لكن في عالم الأحجار، القصة ليست إضافة… بل أحيانًا هي الأساس.
عندما يُربط حجر بملك،
أو بحضارة،
أو بنص قديم،
فإنه لا يُعرض باعتباره مادة، بل باعتباره رمزًا.
الرمز أقوى من البلورة.
والذاكرة الجماعية أقوى من التركيب الكيميائي.
: متى يبدأ الخلط؟

المشكلة لا تكمن في وجود الموروث.
فالثقافة جزء من الإنسان.
لكن الخلط يبدأ عندما يُقدَّم الرمز باعتباره قانونًا علميًا،
وعندما تتحول الرواية إلى حقيقة غير قابلة للنقاش.
العلم يقول:
افحص، قِس، حلّل.
الأسطورة تقول:
آمن.
وكلاهما يخاطب جزءًا مختلفًا في الإنسان.
: لماذا تستمر الأسطورة؟

لأن الإنسان بطبيعته لا ينجذب إلى الأرقام،
بل إلى الحكاية.
المشتري لا يسأل غالبًا عن النظام البلوري،
بل يسأل: “هذا الحجر ماذا يعني؟”
السوق يعرف ذلك جيدًا.
ولهذا، تتضخم بعض المفاهيم،
وتُعاد صياغة بعض المعاني،
وتُبنى هالة حول بعض الأحجار تتجاوز خصائصها الفعلية.
: أين نقف؟

ليس الهدف إلغاء الثقافة،
ولا إنكار التاريخ،
ولا مهاجمة الموروث.
الهدف هو الترتيب.
أولًا: الحقيقة الجيولوجية.
ثانيًا: القيمة السوقية.
ثالثًا: الخلفية الثقافية.
عندما يختلط الترتيب، يختلط الفهم.
خاتمه

الأحجار الكريمة ليست أساطير،
وليست أيضًا مجرد معادلات باردة.
هي مادة طبيعية حملها الإنسان عبر العصور بمعانٍ متعددة.
لكن الوعي يبدأ عندما نعرف ما هو علم…
وما هو سرد.
وفي هذه السلسلة، سنحاول أن نقترب أكثر من هذا الحد الفاصل.
وائل زيان
خبير الأحجار الكريمة وباحث في علم الأنثروبولوجيا
