Uncategorized

النجاح المزوّر: كيف تقتل الثانوية العامة ثقة الطالب بنفسه تحت مسمى “المهم تعدي”

النجاح المزوّر: كيف تقتل الثانوية العامة ثقة الطالب بنفسه تحت مسمى “المهم تعدي”

بقلم أحمد المصري 

في صباح الامتحان، لم يكن التوتر هو الأعلى صوتًا داخل اللجنة…

بل كان صوت الهمسات.

“معاك حاجة؟”

“بص على الورقة…”

“الإجابة وصلت؟”

طالب يجلس في منتصف اللجنة، لا ينقصه الذكاء… بل الشجاعة.

يمسك القلم، ثم يتركه، كأن الورقة لا تخصه.

ينتظر. لا يفكر. لا يحاول. فقط… ينتظر.

وحين تصل الإجابة، يكتب بسرعة، بثقةٍ لا تشبهه.

ينتهي الامتحان، ويخرج مبتسمًا—

ليس لأنه نجح…

بل لأنه لم يضطر أن يواجه نفسه.

في تلك اللحظة، لا يُولد نجاح مزيف فقط،

بل يُولد إنسان تعلّم أن الحل دائمًا خارجَه.

في لحظةٍ ما، لا يعود الخوف من الثانوية العامة مجرد قلق عابر، بل يتحول إلى منظومة كاملة تتحكم في الطالب: تفكيره، قراراته، وحتى نظرته لنفسه.

الخوف هنا لا يأتي من الامتحان ذاته، بل من المعنى الذي أُلصق به: مستقبل، مكانة، رضا اجتماعي… أو ربما خوف من الفشل الذي لا يُغتفر.

في هذا المناخ، لا يُولد الغش كفعلٍ منحرف، بل كحلٍّ نفسي.

حين يشعر الطالب أن قدراته لا تكفي، وأن المحاولة الصادقة قد لا تضمن له النجاة، يبدأ في البحث عن بديل… والغش يبدو وكأنه “شبكة أمان”.

في بيتٍ مصري بسيط، تجلس الأم بجوار ابنها ليلة الامتحان، لا تسأله “فهمت؟” بل تقول:

“بص يا حبيبي، أهم حاجة تعدّي… كله بيغش.”

الجملة تبدو رحيمة، لكنها تحمل في طياتها رسالة أخطر: النجاة أهم من الاستحقاق.

وفي سنتر تعليمي مزدحم، يهمس أحد المدرسين للطلاب:

“أنا هساعدكم في اللجنة، بس ركّزوا معايا.”

هنا لا يُقدَّم العلم كقيمة، بل كوسيلة للوصول… بأي طريقة.

وعلى جروب واتساب قبل الامتحان بدقائق، تتسارع الرسائل:

“الامتحان هيتسرب؟”

“فيه إجابات؟”

التوتر الجماعي لا يدفع نحو المذاكرة، بل نحو البحث عن مخرج سريع.

حتى داخل اللجنة، لا يشعر الطالب بالغربة وهو يغش،

لأنه يرى من حوله يفعلون الشيء نفسه.

يتحوّل الغش من فعل فردي إلى سلوك جماعي، يخفف الإحساس بالذنب ويعزّز الإحساس بأنه “طبيعي”.

لكن الحقيقة الأكثر قسوة أن الغش لا يحمي الطالب من الفشل، بل يؤجله فقط.

فالطالب الذي يعتمد على الغش لا يهرب من الامتحان، بل يهرب من مواجهة ذاته.

هو لا يقول “أنا لا أستطيع”، بل يقول “لن أحاول من الأساس”.

وهنا تتحول المشكلة من خوف مؤقت إلى بنية نفسية قائمة على التواكل.

بعد إعلان النتيجة، يحتفل البعض بمجموعٍ لم يصنعوه فعلًا.

يدخل الطالب كلية لا تشبه قدراته،

ثم يصطدم لأول مرة بحقيقة لا يمكن الغش فيها:

أن الفهم لا يُستعار.

التواكل لا يظهر فجأة، بل يتشكل تدريجيًا:

مرة حين ينجح بالغش، ومرة حين يُكافأ دون جهد، ومرة حين يرى المجتمع يهتم بالنتيجة لا بالطريق.

حتى يكتشف – متأخرًا – أنه لم يتعلم كيف يعتمد على نفسه أصلًا.

والأخطر أن هذا النمط لا يتوقف عند الثانوية العامة.

بل يمتد إلى الجامعة، ثم العمل، ثم الحياة كلها.

نفس الطالب الذي كان ينتظر “الإجابة” في اللجنة،

سيبحث لاحقًا عن “الواسطة” في التوظيف،

وعن “الحل السريع” في كل أزمة.

الفكرة واحدة… فقط السياق يتغير.

المفارقة أن الخوف الذي دفعه للغش كان يمكن أن يكون دافعًا للنمو.

لكن حين يُدار الخوف بشكل خاطئ، يتحول من قوة دافعة إلى قوة مُعطِّلة.

لذلك، القضية ليست في الغش كفعل، بل في ما وراءه:

في طالب لم يتعلم أن الفشل جزء من الرحلة،

وفي مجتمع يربط القيمة بالدرجات،

وفي نظام يجعل الامتحان نهاية، لا مرحلة.

ربما الحل لا يبدأ بمنع الغش فقط،

بل بإعادة تعريف النجاح نفسه.

أن نعلّم الطالب أن المحاولة أهم من النتيجة،

وأن السقوط ليس نهاية، بل بداية فهم حقيقي للذات.

لأن أخطر ما يمكن أن نخسره في هذه المرحلة

ليس مجموعًا دراسيًا…

بل إنسانًا لم يتعلم كيف يقف وحده

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى